الرسائل الآنية تقوم بقتلنا

العقل جهاز حساس، أي نشاط تقوم به يؤثر عليه بشكل أساسي، سواء أحسست بذلك أم لا، ونقطة عدم الاحساس بالضرر هي ما سببت لنا مشاكل كثيرة من أهمها: جريمة قتل التفكير.

بدون مقدمات أننا في عصر التكنولوجيا والجميع يحمل هاتفا في يديه ويمشي، ويخرج هاتفه في وسط دردشة واقعية وتبادل أحاديث فقط لكي يرد على رسالة أتته، أصبت حقا بالتخمة من هذه المقدمات.

سأدخل مباشرة في الفكرة التي تدور في أرجاء عقلي هذه الآونة، أن الرسائل الآنية تدمر قدرتنا على جلب أفكار مبدعة وجديدة وتجعلنا محصورون في نوع معين من التفكير.

والقصد من الرسائل الآنية، ذلك التواصل الذي يجري فورًا، ترسل رسالة بعد ثوانٍ يرد عليك، بعد ثوانٍ ترد أنت، وتستمر الحلقة، ويحدث هذا التواصل عادة في تطبيقات مثل المسنجر، الدايركت سواء في التويتر أو الانستغرام، فايبر واتسآب وغيرها من التطبيقات.

ولكن الأمر لا ينطبق على الإيمايل مثلا، ففي البريد الاكتروني يمكن أن أرسل رسالة صباحا ويرد عليها المرسل إليه في الليل وأرد عليه صباح يوم آخر، وهو يرد في الأسبوع المقبل، دون أي مشاكل، وتكون تلك الرسائل طويلة وتحمل معلومات ورسائل كثيرة عكس الرسائل الآنية، التي كل رسالة فيها تحمل أجزاء صغيرة من ما نريد التعبير عنه. لكن هل ثقافة إرسال رسائل طويلة ثم الرد بعد زمن معتبر لاتزال موجودة؟ سؤال مفتوح.

يا طارق الآن أخبرنا لماذا لديك مشكلة مع الرسائل الآنية؟ حسنا، كالم داون.

هذا النوع من الرسائل يجعل تفكيرك منشغلا دائما، مركز نحو الحديث والحديث والحديث، ويتم إشغالك عن التفكير في أمور أخرى. وهذا ما أقصده بيقتل الإبداع، شخصيا جربت أن أتحدث يوما كاملا باستعمال الرسائل الآنية، ووجدت صعوبة في آخر اليوم أن أكتب مقالة أو أناقش أحدا، أو حتى أقرأ كتابا أو أقرا مقالا صغيرا من عدد كلمات قليل.

لأن ببساطة تفكيري استنزف، طاقته اليومية انتهت بسبب تلك الرسائل المتتابعة غير المتوقفة وعادة ما تكون تافهة، لأنها ببساطة آنية وعندما تكون آنية فستبدأ في أول المحادثة بجلب مواضيع كنت تود الحديث عنها، وعندما تنتهي تبدأ تلك الحلقة المملة في المحادثات، فتصبح تافهة مجردة وعادة ما تصيب بالأذى النفسي لأنك تحس أنك مجبر على أن تجلب موضوعا للحديث ولم تستطع، وهذا يعد مشكلة في ظل وجوب وجودك الدائم حتى لو لم تجد موضوعا للحديث.

بالإضافة للاستنزاف التفكيري والعاطفي، هناك استنزاف للوقت، أين الوقت الذي سيتبقى لك للتفكير والتأمل في أمور أخرى، إن كان يومك ممتلئا بالرسائل الآنية، لن تعطي لعقلك حتى الفرصة للتفكير في شيء آخر، الوقت عامل مهم هنا، التفكير يحتاج لوقت، ساعة ساعتين لا أعلم، السؤال هنا، هل لديك ساعة أو ساعتين فارغتين في ظل عدم وجود ثانية فارغة من أجل فعل شيء آخر غير إرسال الرسائل الآنية؟

لا أنسى البعبع المعروف وهو التشتت، أن تستغرق في شيء ما ثم تسمع “ترن”، نعم إنها رسالة، هل هي مهمة؟ لا يهم المهم أنه يجب أن أجيب. وهذا ينعكس في واقع نشاطاتك، تصبح تقرأ صفحة ثم تتوقف فجأة تقوم بفعل شيء آخر، ثم تتوقف وتفعل شيء آخر، المشكل ليس في أن تتوقف عن فعل شيء وتقوم بالرد، بل المشكل الأكبر في النتائج التي تترتب على ذلك عندما تعود نفسك على الرد آنيا عندما تأتيك رسالة، سيتسرب التشتت إلى شرايين دمك، وسيصبح التشتت شعارا ترفعه في أي نشاط يحتاج لتركيز.

أضيف فكرة تمردت الآن، أن هذا لا يصب في مصلحة الكاتب أو المدون بتاتا، الكتابة تتطلب تفكير وتتطلب شيئا آخر وهو تفريغ الأفكار المتكونة بعد التفكير، لنقل أنك فكرت قليلا، ثم فرغت كل أفكارك في المحادثة الآنية، هنا ستنتزف طاقة التفريغ، لن تتمكن من كتابة مقال يتضمن نفس الأفكار لأنك استنزفت بالفعل قوة التفريغ لديك في تلك المحادثة، بغض النظر عن أن المحادثة لا تمنح لك مساحة زمنية للتفكير في أمر آخر يجعلك تدون عنه. لذلك ما نخلص إليه هو أن الآنية في الرسائل عدو لدود لأي شخص يريد كتابة أفكاره.

كل هذا، يمنع شيئا واحدا وهو التفكير الإبداعي. وهو الذي يحتاجه الإنسان لفعل أمور كثيرة من بينها كتابة المقالات، قراءة الكتب، أي شيء آخر يحتاج لتفكير وتركيز. استنزاف الوقت، استنزاف التفكير، التشتت، الألم العاطفي الناتج عن عدم إيجاد مواضيع للحديث أو أن لا يرد المرسل إليه آنيا كما تفعل، كل هذا يضرب وترا واحدا وهو التفكير الإبداعي.

مشكلتي ستبقى دائما مع الرسائل الآنية، نعم هي مفيدة في أمور كثيرة، لكن يجب ضبط هذه العادة جيدا بحدود معلومة أي:

  • أن لا تدع نفسك تنجر نحو الحديث لساعات دون فائدة.
  • أن لا تتشتت من أجل الرد على رسالة ما، والعلاج من إدمان التشتت سهل ويحتاج لإرادة فقط.
  • أن تركز على التفكير، أن تمنح لنفسك الوقت الكافي للتفكير، ولا تدع أي شيء يقتل تفكيرك.

أنا لا أقول هنا لا تتحدث مع أصدقائك، عائلتك، أو أيا كان، أركز فقط في ضرورة تقييد عادة الرسائل الآنية أكثر، وعدم تركها تؤثر عليك وبالأخص على تفكيرك.

ستقول صعب أن لا أرد على رسائل أصدقائي، سيغضبون علي وسأفقد صداقتي معهم وكل هذا الهراء، أنت عودتهم على وجودك الدائم، بالطبع سيفكرون بهذا التفكير، لذا يجب أن تفعل العكس أن تعودهم على محادثات مركزة وجيدة في وقت زمني قصير ثم تعتذر لمغادرتك وتذهب لفعل شيء آخر، هذا مع النظر إلى أن لديك نشاطات أخرى تود القيام بها (قراءة كتب، مقالات، التأمل، أفلام مسلسلات، أي شيء آخر) لأنه إن لم يكن لديك سترى أن المحادثات هي شغلك الشاغل ويبقى خوفك الدائم هو أن تبقى وحيدا، رغم أنني شخصيا أفضل الوحدة إذا كانت تصب في صالح صحتي العقلية والتفكيرية وحياتي بشكل عام.

هذه الأفكار لم أجد لها في النت ما يدعمها، لا أتحدث عن تأثير السوشل ميديا والتصفح المستمر، لديه نفس التأثير بالنسبة للرسائل الآنية طبعا لكن مقال مخصص فقط للرسائل الآنية لم أجد ذلك. ربما لأن أفكاري غريبة ولن أجد لها موافق. لذا أريد سماع رأيك عن الموضوع. هل ترى أن الرسائل الآنية تقتل التفكير الإبداعي؟ شاركنا تجربتك، رأيك، أي شيء حول الموضوع، أود سماع المزيد عنه.

12 thoughts on “الرسائل الآنية تقوم بقتلنا

  1. قبل عامين تقريبا، أحسست بأن مواقع التواصل الاجتماعي تقودني إلى المجهول.. كنت متأثرأ بكلام كال نيوبورت وكلامه عن العمل العميق وموجة التقليل الرقمي، حذفت الواتساب نهائيا، وبعد فترة ولسبب ما احتجته وأعدته لجوالي.. أحسست بنفس الشعور تجاه الفيسبوك فحذفت حسابي. تعرفت بعد ذلك على حسوبIO ونشطت فيه، ثم فتحت حسابا على تويتر، بعد ٤ أشهر تقريبا عدت للفيسبوك ولكن ليس كما كنت، بسبب احتياجي للتواصل مع زملاء الجامعة. المشكلة أن الناس، على الأقل في محيطي، لا يتعاملون أبدا بالإيميل فحذف مواقع/تطبيقات التواصل يجعلك في عزلة عن أصدقائك حتى..
    ولكن عندما عدت للواتساب والفيسبوك، قررت أن أقلل عدد المشتتات قدر الإمكان، ففي الواتساب لا أنشط إلا في مجموعتين هما مجموعة شباب العائلة وزملاء الجامعة وفي الفيسبوك لم أتابع أي مشهور ولم أعجب بأي صفحة وإنما أطلب صداقة لمن أعرفهم في الواقع.. مع بعض الاستثناءات والتجاوزات.
    وما يزال الصراع بيني وبين مواقع التواصل من جهة والتركيز على الأشياء الأكثر أهمية وفائدة لمستقبلي ( الأشياء التي تتطلب عمقا )، ما يزال هذا الصراع قائما..

    Liked by 2 people

    1. يبدو أن هناك من يشاركني الصراع مع وسائل التواصل، وأيضا تتشارك معي في استعمال التويتر كأكثر وسيلة.
      شكرا جزيلا لمشاركتك تجربتك واثق، لدي فقط طلب: هل يمكن أن تضع مصدر لكلام كال نيوبورت الذي تأثرت به فقط للاستزادة والاطلاع على أفكاره؟

      إعجاب

  2. ربما كنت أشارككم الصراع كذلك، أو ربما هو الرغبة في التوسط، بين ذاك الدافع الذي يريدني أن أغلق كل شيء، والحاجة لمثل هذه التطبيقات في الحياة.
    لا أستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، لكن لا زالت لدي تطبيقات المحادثة من واتس اب وتليجرام ومسنجر.
    من الطرق التي أستخدمها: إقفال الإشعارات لجميع التطبيقات، وتقليل القنوات والمجموعات التي أشترك بها، وتقريبًا تخصيص وقت للرد على جميع الرسائل التي وردت وليس كلًا على حدى.
    لا زلت أفضل الطريقة التي ذكرتها بكتابة كل ما لدي ثم أرسل ولا أنتظر الرد القريب.
    بالتأكيد هذه الأمور تسبب لي بعض المشاكل مع من حولي، لكن عليهم أن يعتادوا على ذلك😁

    شكرًا على مشاركتنا رأيك في هذه التدوينة 🙂

    Liked by 1 person

    1. شكرا جزيلا على المشاركة في النقاش. تعطيل الإشعارات أمر نافع كثيرا، ولاحظت أن جزءا من التشتت الذي لا يزال باقٍ لدي آت من تلك الإشعارات لذا سأحرص في الفترة المقبلة على تصفيتها.
      سؤالي لك ما الذي عوضتي به وسائل التواصل
      لكي لا تعودين إليها مجددا؟ لأنني جذبت بـ “لا أستعمل وسائل التواصل” وأريد معرفة المزيد.

      Liked by 1 person

      1. *ملاحظة في البداية: عادت بعض تدويناتك كي لا تظهر لدي في القارئ، وصلت إلى تدوينتك هذه من خلال تدوينة الأستاذ عبدالله، لماذا يفعل الووردبرس ذلك؟!

        هو عمومًا لا تزال لدي حسابات، مثلًا على فيسبوك وتويتر؛ لأنه بطبيعة الحال هناك بعض المحتوى الذي لا تستطيع الوصول له إلا من خلال أن يكون لديك حساب على هذه المنصات، لكنني لا أستعملها، لا للنشر أو القراءة

        بالنسبة لما عوضت به، فأعتقد أن الأمر في الغالب يختلف من شخص لآخر، فمثلًا أنا شخص ليس لديه الفضول للاطلاع على آخر الأخبار، تحديثات الآخرين، حتى أولئك الذين أحبهم، وأيضًا بالمقابل لا أحب عادة مشاركة أنشطتي أو آرائي.

        وبالنسبة للمعرفة، فبالتأكيد لا أفضل أخذها من مثل هذه المصادر، فتبقى الكتب والمقالات وأحيانًا الفيديوهات مصادر أفضل وأقل تشتتًا .وأكثر مصداقية
        كذلك التدوين يشكل عنصرًا هامًا، فعدا عن قراءة التدوينات التي تحمل كمًأ من التجارب والخبرات، فمن خلاله أشارك أنا أيضًا بعض معارفي وتجاربي، بالإضافة للمشاركة بالحديث في دوائري المحيطة.

        آمل أني أفدتكم بشيء، عذرًا للإطالة

        Liked by 1 person

        1. أشاركك نفس الشيء، أنا من الأشخاص الذين لا يحبون متابعة الأخبار، وعائلتي تحب متابعة الأخبار أول بأول، جرائد وقنوات وغيرها، ولكن أنا عكسهم تماما.
          كما أنني دائما أقع في ذلك الموقف عندما يأتي صديق ما ويسألني هل سمعت عن كذا وكذا والإجابة دائما تكون لا.
          شخصيا أستعمل وسائل التواصل من أجل ترشيحات الكتب والأفلام بشكل أساسي، كيف تأخذين الترشيحات إن لم يكن اعتمادك على وسائل التواصل؟
          لا تعتذري على الإطالة، أحب الردود الطويلة، شكرا لوقتك حقا، وعذرا إن كنت فضوليا كثيرا.
          PS: لا أعلم ما المشكلة في ووردبريس، أنصحك باستعمال قارئ RSS مثل فيدلي مفيد جدا وستذهب هذه المشكلة معه.

          Liked by 1 person

          1. لا أعتقد أنني أواجه أي مشكلة في الحصول على الترشيحات، فهي منتشرة في التدوينات والمقالات، والمواقع المتخصصة مثل جود ريدز مثلًا. ويمكن مباشرة من الأصدقاء والمعارف أو الأساتذة في حال كنت أتبع منهاجًا معينًا.
            وبكل حال كثرة الترشيحات لا تكون مفيدة أحيانًا، ففي العادة ما نريد فعله يكون أقل بكثير من الترشيحات الموجودة😅
            أسعدتني المشاركة
            بالتوفيق☘

            Liked by 1 person

  3. التنبيهات: متفرقات - فرزت

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s