عن غياب المتحدث ومشكلتي مع المحتوى الصوتي

لفترة طويلة كنت أظنني أستمع للبودكاست بكل سلاسة وبدون مشاكل، لكن مع الوقت ومع استماعي أكثر للبودكاست أجدني ألقى صعوبة أكبر كل مرة في الاستماع، ونفس المشكلة لكن أضخم مع الكتب الصوتية. بكل اختصار وصلت لقناعة أنني لست بالكائن السماعي.

حسنا، عندما أعدت تثبيت الأخ الفاضل ساوندكلاود، بدأت أتعرف على بودكاساتات جديدة، وكلما أستمع لبودكاست، لا يعجبني وأتجاوزه، حتى ذلك الذي مررت به من قبل كبودكاست أبجورة وساندويش ورقي وتدويني، كل هذه تنتج محتوى جميل ومبدع لكن المشكلة بي وليس بالمحتوى.

لأني شخصيا لا أستطيع التركيز لفترة طويلة مع شخص يتحدث معي وأنا لا أراه ولا أرى شفتاه تتحركان أمامي. كنت في فترة أظن أن المشكلة خاصة بالكتب الصوتية فقط لأنها تتطلب تركيزا أكبر، لكن المشكلة ظهرت مع البودكاست أيضا إذ أنني عندما أنهي حلقة ما، أتسائل لماذا لم أفهم كثيرا ما يريد إيصاله الملقي، وأعيدها أجد الكثير من المقاطع كأنني لم أستمع لها في المرة الأولى، وفعلا لم أستمع لها.

نعم سمعتك تسأل: لكن لماذا لم تستمع لها؟ ماذا كنت تفعل؟

هنا نصل أو أصل إلى نقطة التفكير أو بالتحديد الـ Overthinking التي ذكرتها في صفحة “عن كل شيء” أنني كائن يفكر كثيرا بشكل مبالغ فيه، لذا كل فكرة يذكرها المتحدث أسرح بذهني بعيدا أفكر فيها، وأحللها ثم عندما أنهي التفكير أحس أنني كنت في عالم آخر وأن المتحدث كان يتكلم في الخلفية، لذا يفوتني الكثير.

حين لا أجد المتلقي أمامي سواء في الواقع أو في فيديو ما أو غيره، أجد مشكلة في التركيز، وهو نفس الأمر يجري معي في الواقع مثلا، إذا ما كان شخص جالس في الغرفة الأخرى ويتحدث بصوت عال عن أسراره أو شيء من هذا القبيل ثم يأتي ويقول لك: هل سمعت ما تحدثنا عنه؟ اعمل نفسك ميت ولا تتحدث عنه مع شخص آخر، وردة فعلي: “لكنني لم أسمع ولم أرى!، كنت أفكر في شيء آخر.” أو مثال أبسط عندما يكون شخص يتحدث مع شخص آخر أمامي، ولو بصوت مرتفع لن أركز مع كلامهما أبدا ثم تأتي تلك الظنون أنني أتنصت عليهما، هي ميزة طبعا أفخر بها.

لكن طارق لماذا لا تسرح أمام شخص يحرك شفاهه أمامك؟ لأنه ببساطة يجبرني على التركيز عندما أراه أمامي يتحدث، ولأنني أتلقى المعلومة بحساتين السمع والنظر. وهنا يمكن الاستنتاج أنني لا يمكنني الاعتماد على حاسة السمع فقط من أجل تلقي المعلومات، بينما يمكنني الاعتماد على حاسة النظر فقط لتلقي المعلومة كالقراءة.

لكن طارق لماذا هذا الأمر لا يجري مع مشاهدتك للفيديوهات مثلا أو قرائتك للكتب كأقرب مثال لأنه لا يوجد فيه متحدث يحرك شفاهه، بكل بساطة لأن الكتاب يمنحك الفرصة في التوقف والتفكير، شخصيا قد أمكث في صفحة لمدة 5 دقائق أو أكثر ليس لأنني بطيء في القراءة بل لأنني سرحت في فكرة ما بعيدا ثم أعود وأكمل القراءة وهكذا حتى أنهي الكتاب، وهو ما أستمتع به حقا.

أما البودكاست فلا أستطيع مثلا أن أوقف الحلقة وأبقى أفكر ثم أعيد تشغيلها وهكذا دواليك. والأمر معقد أكثر مع الكتاب الصوتي. لأنني عندما أفكر سيقطع تركيزي تلقائيا، لن تسنح لي الفرصة أصلا لأن أقرر ذلك القرار “آه نعم لقد حان وقت التفكير هيا لنوقف البودكاست، سنعود بعد قليل” لا الأمر معقد، لا يمكنني أن أوقف التفكير ثانية من أجل إصدار ذلك القرار وهنا مربط الفرس أي أن البودكاست أو الكتاب الصوتي سيبقى مشتغلا لكن سينتقل إلى الخلفية، أي أستمع إليه وأفكر في شيء آخر.

مواقف أخرى تتكرر فيها هذه المشكلة التي لا أراها مشكلة حقا، هي حين يملي الأستاذ الدرس ثم أسرح بعيدا أفكر في ما قاله الأستاذ فيفوتني ما قام بإملائه وأدخل في ذلك الموقف المحرج: “أين كنت عندما كنت أقوم بالإملاء؟” أو عندما يشرح الدرس ثم أسرح بعيدا ويفوتني الشرح فأخرج غير فاهم له، وهنا أنتهج الحل الأمثل وهو النظر إلى عيني الأستاذ عندما يشرح أو يملي الدرس لكي لا أفقد تركيزي.

هناك موقف آخر وهو في خطبة الجمعة، أسرح بشكل كبير جدا لدرجة أنني أخرج من الخطبة عندما تنتهي غير فاهم لشيء مما قاله، لأنني كنت أفكر في أمور أخرى، وهنا أنتهج نفس الحل السابق لكن أحيانا يزدحم المسجد فلا أجد مكانا مناسبا للرؤية مباشرة إلى الإمام فأفقد تركيزي وأدخل في تلك الدوامة من جديد.

ما الحل؟ لا أبحث عن حل صراحة، لأن البودكاست يمكنني الاستغناء عنه بسهولة، ويوجد حل متمرد هكذا يظهر من الظلام الدامس كبطل منقذ وهو البودكاست الذي يكون فيه المتحدث عفويا، يعني كأنه يتحدث معك في الواقع، يحاكي بشكل مثالي أو لنقل بشكل جيد للواقع، كيف؟ يتحدث ببطئ وأيضا يمنحك فواصل للتفكير.

وهذا النوع من البودكاست نادر لأن الأغلب يلقي محتواه بسرعة، ودون توقف، ولا يحسسك أنه يتحدث معك. وهذا النوع وجدته في بودكاست فيصلوسفي الجميل.

وتوجد حلول أخرى، كأن أستمع البودكاست وأنا أمشي، أو أستمع إليه وأنا أقوم بعمل ممل، أو وأنا ألعب لعبة ما، وهي الحلول التي تحدثت عنها في مقالة سابقة. هي حلول مجدية لكن نسبيا، وتبقى مشكلة التركيز وليس أي تركيز، المستمر منه، حاضرة دائما. هل يجب أن أقلق؟ لا طبعا، إذا لماذا كتبت هذه التدوينة؟ فقط لكي أعرف نفسي أكثر وأيضا ربما أجد شخصا مثلي لا يستطيع الاعتماد على حاسة السمع فقط لتلقي المعلومة.

إذا لديك إضافة ما في الموضوع ولو بسيطة، ستسعدني بمشاركتها في التعليقات، “يمكنك التعليق حتى دون وضع إيمايل وباقي المعلومات.”

13 thoughts on “عن غياب المتحدث ومشكلتي مع المحتوى الصوتي

  1. تختلف نسبة تركيزي في الاستماع حسب موضوع البودكاست، فنجان مثلًا أضعه على سرعة 1,5 خلال المشي، إن سمعت شيئًا اعجبني، أتوقف، أسجل الملاحظة في برنامج الملاحظات على الهاتف ثم أكمل
    أحاول أن أتعلم طريقة للاحتفاظ بالمعلومات المتعلمة من البودكاست أو المحتوى الذي أستهلكه بشكلٍ عام، ولا أفضل من الكتابة، كيفية إيجاد خوارزميّة لحل هذه المشكلة مازالت قيد التطوير!

    Liked by 1 person

    1. الملاحظات وكتابتها أمر مميز حقا، هل تنتهج نفس الأمر مع الكتب والأفلام وغيرها؟ وما فائدتها حقا؟ هل لكي تعود إليها في وقت لاحق أو لكي تترسخ المعلومة أكثر؟

      إعجاب

  2. “وقعت على الجرح” كما نقول نحن العراقيون.
    انا أيضاً كائن لا إستماعي غالباً ولي تجارب سيئة مع الكتب الصوتية لاسيما الكتب الفكرية (أو اي كتاب غير روائي) غالباً لا استطيع تخيل امكانية استيعابه سماعياً، عندما أنهيه تتسرب المعلومات وتخرج وتتلاشى، وغالباً كل دقيقة الى خمس دقائق اعود ٣٠ ثانية على الأقل لألتقط النقطة التي سرحت منها..والأمر أهون مع الكتب الروائية لاسيما اذا كانت مقسمة لأجزاء والقارئ هادئ.
    إما البودكاست فالحواري منه استطيع التفاعل معه لأن هناك طرفان يتحدثان وغالباً ما ينجحون بإعادة تركيزي لهم إما البودكاست الإلقاءي فلا اسمتع له لا استطيع التركيز معه وكلما كان أكثر رتابة كما في بودكاست الجزيرة كلما صعب عليّ الإنغماس معه.
    عموماً كل ما ذكرتُه من مواد الإستماع سواء ما يصعب عليّ سماعه أو ما يسهل عليّ ذلك لا يتحقق إلى بالمعادلة التالية:
    عمل روتيني ممل + سماع = استماع وتركيز
    لا تستطيع تخيل شخص جالس ويستمع لبودكاست ساعة او ساعة ونصف او ساعتين ولا يشتته الفضاء والفراغ؟!
    لا أستمع إلا في عمل ممل روتيني لا يتطلب تفكير في عمله وكلما زاد الملل وزاد شعوري بالبحث عن اي شيء يشغلني عنه ويصبّرني على تحمل ساعات الملل والروتين الثابت والعقل المنفتح للخواطر والأفكار والمشاعر كلما زاد تركيزي على ما أستمع له ولحسن الحظ الإستماع هو الوسيلة الوحيدة لقضاء الوقت مع هكذا عمل لأن كل الوسائل الأخرى ستعيق العمل.
    حالياً انا كل شهر أو شهر ونصف يكون عندي عمل ممل روتيني بمعدل ٦٠ ساعة بواقع اسبوعين تقريباً لإنهاءه، كل ما أود سماعه اضعه في قائمة واستغل هذه الـ٦٠ ساعة وإستمع.. لذلك الآن مع لان العمل ممل جداً إلا اني اشتاق له لأغوص ببعض الإستماعات المتنوعة من بودكاست ومحاضرات مختلفة.

    Liked by 1 person

    1. شكرا لتعليقك الجميل والثري. حقا تجربتك تشبه كثيرا تجربتي يمكن أن أقول وأخيرا وجدت كائن لااستماعي آخر.
      لكن في رأيك لماذا العمل الممل يجعلك تركز؟ أنا أيضا جربت الأمر مسبقا ونجح نسبيا، لكن لماذا عندما أجلس وأستمع لا يمكنني التركيز كما يمكنني فعل ذلك مع عمل ممل؟

      إعجاب

      1. اضن ان ما ذكرته فيما يخص تشتت الإنتباه بالنسبة للمواد المسموعة لأن المتحدث ليس أمامك هو فعلاً ما يمنعنا من التركيز معه ولكن لأن العمل الممل الروتيني يخلق فراغ للعقل فيسده الإستماع وهو بنفس الوقت يمنعك من أن تتشتت عن الإستماع واللهو بشيء آخر لأنه انت عملياً أيضاً مشغول بهذا العمل بجانب الإستماع عكس الحالة الأولى فالتشتت عن الإستماع لا يقابله عمل يصدك عنه.

        Liked by 1 person

  3. لا أدري ما طريقنك في الاستماع. إذا كنت تفتح البودكاست وتستمر في المراسلات والردود وتصفح الإنترنت فهذا ليس عيبك ولن تستوعب شيئا.
    بالنسبة لي، استمعت فقط إلى بودكاست كلام، كنت أسمعه في الباص أثناء الذهاب إلى الجامعة، وأنسى كل ما حولي وأركز في البودكاست، وحتى عندما كنت أستمع له في البيت كنت أضع كل شيء وأركز في البودكاست، أما التعامل مع البودكاست كأنه موسيقى خلفية لممارستك نشاطك المعتاد على الإنترنت فهذه طريقة خاطئة في الاستماع.

    Liked by 2 people

    1. لا طبعا أنا أستمع وأكرس كل وتركيزي للبودكاست. أما عن الاستماع إليه كأنه في الخلفية فهذا ليس بيدي، بل هذا يأتي بعد أن أدخل في موجة تفكير ما فينتقل البودكاست كموسيقى خلفية ثم أعود مجددا فأجدني فاتني الكثير.
      شكرا لمشاركتك واثق.

      إعجاب

  4. أنا عكسك تماما إنسانة سماعية وأستمتع جدا بلبودكاست مهما كان محتواه عكس الكتب أعاني بشدة في القراءة ف أتمنى لو أن لكل شي صوت أستطيع سماعه حتى لا أقرأ .

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s