لديك صديق مكتئب؟ أهده هذا الكتاب

كان الكتاب موضوعا في رف مكتبي البسيط، وعندما أعود للبيت دائما تمر عيني على ذلك العنوان “أسباب للبقاء حيا”، عندما تعود من جحيم اسمه الدراسة أو أي جحيم آخر، وتقرأ هذا العنوان سيصيبك الفضول القاتل ما هذه الأسباب التي تبقت لكي نبقى أحياء. لذلك إن أردنا أن نحصي أول ما نجح فيه الكتاب فهو اختيار عنوان مناسب ومثير للفضول وأيضا جاذب للتركيز، أشرب القهوة وأنظر للعنوان، وأفكر: هل هناك حقا أسباب للبقاء حيا؟ وكيف أبحث عن الجواب برأيكم؟ طبعا بالاستسلام للإغراء وقراءة الكتاب.

مقتنع أن الاكتئاب سيء، ويؤدي إلى الموت والانتحار والهروب من الحياة أبديًا، لكن “مات” قال أن الاكتئاب قتل أكثر من الحرب والإرهاب والعنف وجرائم السلاح، أليس في الأمر مبالغة؟ صحيح أن الاكتئاب يقتل لكن ليس بتلك الخطورة التي تنتج عن الحروب والإرهاب.

مات يريد أن يصحح صورتنا عن الاكتئاب وأن نكف عن الضحك والسخرية من المكتئبين، لكن ليس بالمبالغة، هذا إذا لم أكن مخطئًا في هذا التحليل المنطقي.

يصور لنا الكاتب معاناته مع الاكتئاب، تلك الحياة السوداء التي كان يعيشها بداخله، لم تكن مرئية بشكل واضح، فكانوا يقولون له: “تبدو بخير” وهو بداخله محطم بسبب الاكتئاب، كانت الأدوية تساعده قليلا فقط لكنها لا تعالج شيئًا لذلك توّقف عن تناولها فساعده ذلك على معرفة نفسه أكثر وما الذي يجعله بشعور أفضل.

وهنا يمكننا استخلاص فكرة جميلة جدا، أن الاكتئاب لا يوجد له حبوب سحرية، بل يجب تقبل ردود الفعل التي يثيرها الجسد والعقل وأن نتبع المزاج للوصول إلى مسببات المزاج السيء بتغيير طريقة تفكيرنا ورؤيتنا للأحداث وللعلاقات ولحالة جسدنا ويمكن ذلك عبر التأمل أو التمرين أو الحمية. حسب ما يقوله جوناثان روتنبرغ.

تحدث مات عن أعراض الاكتئاب التي ظهرت عليه، وأنا أقرأها أحسست بأنه يتحدث عني في فترة سوداء من حياتي مرت بي هذا العام، هذا الكتاب قريب جدا إلى نفسي لأنه يعرفني جيدًا ويعرف ذلك الشعور السيء للاكتئاب.

مات نقل أحاسيس الاكتئاب بشكل جيد، ليس لدي مقياس للجيد ولا للممتاز، لكن أظن أن جيد تفي بالغرض، أحيانا لا أستطيع التعبير عن ما بداخلي بشكل مناسب وواضح، تختلط علي الأمور، لكن مات وفق لحد كبير، حرك في داخلي مشاعرا كانت راكدة، الاكتئاب مثلا يجعلك تلقي باللوم على الآخرين، يجعلك تريد الانتحار فقط لكي يرى الآخرون أنك لست في هذا العالم بعد الآن ويحسون بالذنب، المكتئبون يعتبرون إشعار الآخرين بالذنب إنجاز من نوع آخر، للتخلص من المشاعر السلبية.

شجع الكاتب على ثقافة الحديث، نعم أتفق هي أحد أفضل الوسائل للتخفيف من الاكتئاب، لكن يجب اختيار الأشخاص الذين تتحدث معهم، هناك من ستفرغ لهم عن مشاعرك ثم فجأة تسمع ضحكة ما، على ماذا تضحك؟ لا شيء. ويزداد الألم أكثر، الحديث سهل لكن الأصعب هو انتقاء الشخص المناسب للحديث معه، ويجب أن يعرف حقا شعور الاكتئاب الحقيقي ويقدر صعوبته، وليس أي شخص تافه أحمق، لا يعرف شيئا عن الاكتئاب فتندم على تلك اللحظة التي فتحت فيها فمك.

لطالما كنت أعتبر الاكتئاب لغزا، ما زادني إيمانا بالأمر هو هذا الكتاب. كل ما تحاول فهمه ستبقى غارقا في غموض هذا اللغز. هل سأشبه الأمر برواية بوليسية غامضة؟ لكن الرواية في الأخير تصل إلى حل للحبكة، أما الاكتئاب فلن تصل لشيء.

أنا أكتب بسبب الاكتئاب، عندما قال مات هذه العبارة، شعرت بفكرة كانت هي الأخرى مختبئة وخائفة من الخروج للنور، نعم الاكتئاب يمكن ان يكون محركا للإبداع لما لا؟ لماذا نستعمل “بالرغم” بدلا من “بسبب” عندما نتحدث عن الاكتئاب؟ أصبح عظيما بالرغم من اكتئابه، العكس يا صديقي، الاكتئاب يمكن جدا التعايش معه وتحويله لمحرك إبداع، يكفي أنه لولا الاكتئاب لما قرأت هذا الكتاب، لولاه لما كتبت هذه المراجعة، ولولاه لما كتب مات أصلا هذا الكتاب…

لذلك بنظري وبنظر مات، الاكتئاب حتى لو لم تتمكن من التغلب عليه، يمكن استثماره، يمكنك تحويله لشيء مفيد.

مات بالرغم من كتابته لهذا الكتاب، لكنه لا يزال لم يهرب من الاكتئاب بشكل كامل، غيمة الاكتئاب فوقك دائما تصاحبك، مهمتك أن تزيحها لبعض الوقت، كنت أؤمن أن الاكتئاب لا يمكن الهرب منه، وقد أكد لي مات هذا أكثر.

ألم أخبركم أن مات يفهمني أكثر من الآخرين.

أن تتعامل مع الاكتئاب كصديق، أن لا تحاول الهرب منه، لأن الهرب يزيد الأمر سوءًا، هذا ماكنت أعتقده حرفيا، لكن كنت أعتبره اعتقادا متمردا وربما يعتبر خاطئا، لكن مات أكد لي الأمر، وأصبحت أشعر باطمئنان تجاه ذلك الاعتقاد.

إن وجدتني أهديك هذا الكتاب لقراءته، فاعلم أنني أحبك باختصار، الكتاب قد ينقذ أحدا ما من الاكتئاب، إن قرأته لا تبخل في إهدائه للآخرين.

حسنا هذا السطر كتبته، بعد أن أنهيت الكتاب، الآن يمكنني اعتبار الكتاب أجمل ما قرأته هذا العام، رغم أنني قرأت الكثير من الكتب الجميلة، لكن هذا الكتاب ينتزع المرتبة الأولى بكل جدارة.

لديك صديق مكتئب؟ لا تزعجه بأي شيء آخر، كلام أو مواساة، لأن المواساة يجب أن تكون منتاقاة بشدة خاصة مع المكتئب، قدم له فقط هذا الكتاب، وحفزه أن يقرأه، ربما لن يشفى من الاكتئاب لكن سيجد خريطة كنز مختبئة وراء صفحات الكتاب، تساعده على التخفيف من الاكتئاب. سيساعده كثيرا صدقني.

لكي أنهي المقال، ممتن لك مات هيغ، وممتن لما كتبته، وممتن لصدقك وبساطتك وكل شيء في كتابك هذا، أتمنى أن أقرأ لك أكثر، أتمنى أن تترجم كتبه الأخرى، لأنني متأكد أن هذا الكاتب عظيم.

15 thoughts on “لديك صديق مكتئب؟ أهده هذا الكتاب

  1. مراجعة جيدة، وأزيدك من الشعر بيتًا أنني صادفت الكتاب في إحدى مراجعات دكتورة نضال في اليوتيوب، للمزيد من الرابط

    Liked by 1 person

  2. ككونان وOverThinker فالوقاية خير أيها الشقي. سأخشى كونان أكثر من المخابرات.
    أعرف ماتحاول وصفه طارق، لدرجة “جملتي فوق” قد تسبب لك حرجا وضيقا. آمل لك الشفاء والرشد.. آمل أن تحيا سعيداً وتكمل حياتك هناك سعيدا. آمل لك الخير.

    شعور الضيق وعدم الراحة والقلق هو ترجمة للكمياءات الجسم البشري، قد تكون هذه الكمياءات تستثار وتفرز لأتفه الأمور، أو مع وجود كثرة الضغوطات (وكبثها).. فتسبب مع الوقت تلك الغيمة الشقية التي ذكرتها.

    بين تلك وتلك، قد تكون الأسباب.
    -الطريق الغير راشدة التي لاتؤدي إلا للشقاء ولاشيء غير ذلك. أن تؤخد الحياة على أنها بقدر ماتحصل عليه من شهرة أو مال أو متعة أو غير ذلك.. (الحل: إبحث لك عن بوصة ياهذا)
    -عدم الرضا عن الذات المتراكم؛ بسبب عدم النجاح عموما، قلة التحصيل، التيه عن الواجبات.. إن كنت تقوم بما عليك فلا تنسى “أن ليس للانسان الا ماسعى، وأن سعيه سوف يرى” أما غير ذلك فالبوصلة ياصديقي.
    -أصدقاء السوء. (البوصلة البوصلة)
    ربما يثقل عليك هـــ…

    –يتبع لو سمحت. وربما لايتبع. فأنا أيضا أشعر بالقلق….

    Liked by 1 person

  3. مراجعة جميلة..
    يمكن اتخاذ الكتابة وسيلة للشفاء.. أذكر أنني في أحد سنواتي الجامعية تلقيت إسائة عنصرية لم أكن أتوقعها أبدا من صديق.. لم أستطع أن أرد عليه.. كنت حزينا طوال اليوم ولا أدري ما بي.. كتبت عنه بعدها مقالا (أنتقم منه ولم أذكر اسمه ولم يعرف ذلك) ارتحت بعدها كثيرا وخصوصا عندما تلقيت الكثير من الإعجاب والحفاوة على ذلك المقال..

    Liked by 1 person

    1. أظن أن الكتابة الناتجة عن انفعال معين، حزن أو اكتئاب أو أي شيء آخر، تنتج مقالات جد جميلة، وعندما تعيد قراءتها أنت بالذات تشك في نفسك إن كنت كاتبها.
      الكتابة، دائما كانت المساعدة عند تلك الفترات السوداء، ممتن لها حقا.
      وممتن لتعليقك أيضا واثق، دمت جميلا.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s