التدوين المختصر ليس بذلك السوء!

أقوم بتفريغ المسودات واحدة تلو الأخرى، هذه مقالة كتبتها ربما قبل عام، ولا أعلم لماذا لم أنشرها رغم انها جميلة وأعجبتني جدا، إنه الكسل الجميل، يسعدني أن أرى رأيك في التعليقات بعد أن تنهي التدوينة، قراءة ممتعة.

لو أصف آرائي بكلمة سأصفها بالمرنة، قد تجدني قبل أشهر أتحدث عن أمر ثم بعد أشهر عن عكس ذاك الأمر، وهكذا، آرائي لا تبقى ثابتة، كلما خضت تجاربًا أكثر كلما تغيرت آرائي أكثر وهذا لا يعتبر عيبا في الأخير، ديكتاتورية الآراء غير مجدية مع عصر قد يتغير فيه رأيك في ثانية واحدة.

وهذا قد يفسر نوعا ما اختياري للعنوان -قبل عام-، كنت وسطيا في هذا الموضوع، كأنني قابلت شخصا عزيزا علي وقال لي ما رأيك في حذائي، وأجيبه بليس بذلك السوء لكي لا ينزعج من رأيي، نفس الأمر هنا، لكن رأيي حاليا هو ضده.

هكذا هي حياتي مع التدوين المختصر، اعتزلته مرارا وتكرارا، كل مرة وكل كرة بسبب مختلف، لعلها دورة حياة كل مدون، يتعصب حينا لمدونته الشخصية وحينا لحسابه على تويتر أو فيسبوك. وهذا طبيعي في الأخير، لأن المدوّن قد يجد تارة راحته في الفيسبوك وقد يجد راحته في المدونة، وأنا حاليا أجد أعيش نوعا من الاستقرار على المدونة بعد تخبط طويل بين وسائل التواصل والمدونة، اعتدت على الاستمتاع بكتابة التدوينات أخيرا.

تدوينات لا تدوم

حسنا، لعل أبرز الأسباب للاعتزال المتكرر هو فكرة أن ما أدونه يموت تلقائيا بعد زمن محدود، لا يدوم كما في المدونات العادية مثل هذه. لعل فيسبوك يذكرك كل عام بالمنشورات، ثم تعيد إحيائها، لكن يبقى في الأخير ليس بالحل الجيد للاحتفاظ بأفكارك وآرائك وتدويناتك. يبقى المكان الأفضل هو المدونة من حيث مدة عيش ما تخطه الأيادي.

ما تكتبه في المدونة سيدوم لأعوام، لا أريد ان أبالغ لكن ربما لعقود، قد يبحث شخص ما عن أمر معين ويجد تدوينتك ويستفيد ومرحى يعيش الجميع في سلام، هذا أفضل ما يجعلك تكمل في التدوين، أنه حتى لو لم يستفد أحد الآن، قد يستفيد بعد عام بعد عامين لا تدري.

هناك مبدأ ينتهجه عبد الله المهيري هو أنه عندما تدون قد يستفيد شخص واحد من تدوينتك، لهذا دائما دوّن لذلك الشخص الوحيد، وليس للشهرة أو هذه الأمور التي بالذات هي سبب التدوين في الفيسبوك.

وصادف البارحة تغريدة المدوّن الجميل محمود عن شخص طلب منه تدوينة كتبها قبل 7 سنوات، وهنا تكمن فائدة المدونة، المقال الذي ستنشره الآن، قد يفيد أحدهم اليوم وقد يفيد أحد آخر بعد سنوات، كما قال محمود، المدونة تساعد على أرشفة التدوينات بشكل أفضل.

Screenshot_1Screenshot_2

معضلة التفاعل

قلة التفاعل على ما تكتبه مؤثر كثيرا، لا يجب أن نكذب على أنفسنا ونقول أننا لا نتأثر بالتفاعل، ما فائدة النشر في هذه المواقع إذا؟

لذلك التأثر في كمية التفاعل مؤثر على الصعيد الشخصي في مرات عديدة اعتزلت فيها التدوين المختصر، تفاعل قليل = اعتزال، تفاعل كثير = استمرار. كما أن رؤية الناس تتفاعل فوريا يحفزك على الاستمرار في الكتابة لأنه تحفيز آني مؤقت، فيسبوك وتويتر لديهم التأثير من ناحية التفاعل وتنوعه وفوريته.

لهذا ظاهريا وسائل التواصل أفضل، لكن شخصيا أجد المدونة أفضل من هذه الناحية، لأنك لا تتلقى تفاعلا آنيا أو شيئا من هذا القبيل، يجعلك تعود كل فترة زمنية لتفقد المنشور والتفاعل فيه، المدونة أفضل، وعندما تنشر تدوينة معينة، لا يجب أن تتلقى منها تفاعلا آنيا، يمكن أن تتلقى تفاعلا منها بعد 5 سنوات، وهذه النقطة عودة للميزة الأولى، عدم موت الفكرة واستمرار وجودها ومنفعتها لوقت أطول من النشر على وسائل التواصل.

كما أن المدونة تعوّدك على عدم التركيز على التفاعل كثيرا، لأنه كما نقلت سابقا مبدأ عبد الله المهيري، شخص واحد استفاد من التدوينة كافٍ جدا.

متعة الاختصار

ما يحفز على النشر في وسائل التواصل هو البذرة، أي أن لا تكتب تدوينة حجمها 1000 كلمة أو هكذا عدد، ولا تلتزم بأي عدد أصلا، قد تكتب أكثر من ذلك دون أن تحس. لذلك عندما تعرف أنك في مكان تضمن فيه حريتك، ولست ملزما للكتابة بعدد معين، ستطلق العنان لإبداعك.

ربما هذه النقطة نسبية نوعا ما، يمكن أن لا تلتزم بكتابة 1000 كلمة أو أي عدد آخر، وتكتب أي عدد معين، وتكون تدويناتك بسيطة، لكن في وسائل التواصل، يمكن أن تكتب جملة واحدة وتنشرها ولن تحس بالذنب، لكن هنا لو تكتب جملة واحدة ستحس بإحساس يجعلك لا تنشر التدوينة.

لهذا تفوز وسائل التواصل هنا، في حرية الكتابة بأي عدد كلمات كان. رغم أنني شخصيا أصبحت أفضل الكتابة بكلمات أكثر، لا أجد نفسي مكتفيا من الفضفضة وإفراغ كل ما أريد البوح به في كلمات قليلة، لهذا وسائل التواصل لم أعد أستعملها كثيرا في التدوين.

الوقوع في فخ الاكتفاء

ما يجعلني أبغض التدوين المختصر أحيانا، أنه يجعلك تشعر بالاكتفاء في الكتابة، كتبت ما يكفي عن ذلك الموضوع في الفيسبوك لماذا أريد الكتابة عنه مرة أخرى في المدونة. وهذا يضرك كمدون، قد يعتبر إهدارا للأفكار رغم أنها كان يمكنها أن تتحول لمقالات أجمل وأفضل.

الاكتفاء وحش سيء، مثلا مؤخرا أشعر بالذنب أنني كتبت عن تحدي القراءة السنوي، وانتقاد وضع عدد معين للكتب وكل هذا الهراء، في الفيسبوك، ثم عندما أردت الكتابة عن الموضوع مجددا بشكل مفصل هنا في مدونتي، بدأت الكتابة ووجدت نفسي أمّل من الأمر، لأن هناك تكرار لما كتبته من قبل، لم أكمل المقال بعدها، وهو ينتظر الإكمال، قد أكمله في وقت آخر عندما تعود لدي الرغبة، ما أريد قوله أن وسائل التواصل تقتل متعة الكتابة عن الفكرة لأول مرة، مما يجعلك تقع في الاكتفاء عن كتابتها من جديد، مما يضر الفكرة وتقع في ضحية التدوين المختصر.

الآن، هل التدوين المختصر سيء أم لا؟

يمكن أن نستغل إيجابيات التدوين المختصر المذكورة سابقا، ولعل أفضل الإيجابيات هي البذرة، المقالات عادة صعبة الصياغة -رأيي قبل عام-، البذرة هي ما تحفز على صياغة المزيد.

أن تأتيك فكرة، تكتبها وتنشرها وتذهب لإكمال عملك، ثم تعود وتجد تعليقات، وتتذكر فكرتك، هنا تبدأ الفكرة في عملية النضج، لتكبر من بذرة إلى مقالة كاملة من 500 كلمة.

وهنا يمكن القول أن التدوين المختصر يجعلك تستغل كل الأفكار التي تأتيك، يجعلك تستمر في الكتابة وتدريب عضلة التدوين لديك، يجعل الأفكار تتكاثر أكثر. وفي نفس الوقت عندما تتحول البذرات إلى مقالات تستغل إيجابيات التدوين المطول وهي الاحتفاظ بالتدوينات والابتعاد عن وحش التدوينات المختصر ألا وهو وحش عدم ديمومية التدوينات وموتها بعد أيام من نشرها.

لهذا يمكن للتدوين المختصر أن يكون شخصيا مع نفسك فقط، تطبيقات خاصة لكتابة الأفكار كـ SimpleNote أو Keep أو أي تطبيق آخر، لكن أحد إيجابيات التدوين المختصر المنشور أنك تحس أن لكتاباتك أهمية، أو شيء من هذا القبيل. يعني أنك عندما تنشرها وتجد تفاعلا ولو قليل، تحس ببعض النشوة، رغم أنها نشوة ليست بتلك الأهمية لكنها محفزة ولو ليس ظاهريًا، رغم أن النشوة الأكبر هي في الضغط على زر نشر، أما الباقي فلا يجب تركيز الأهمية عليه كثيرا.

لكن ما أنتهجه حاليا، بذرة أكتبها لنفسي فقط، ثم أحيانا تأتيني رغبة في العودة لتلك البذرة مجددا وإتمامها ويكون المقال جاهزا للنشر، وهذه أفضل طريقة ممتعة ونافعة لي، البذرة عادة أكتبها كمسودة هنا في مدونتي. لهذا الطريقة فيها دمج لبعض إيجابيات التدوين المختصر، مع تأجيل تلك النشوة عند التفاعل إلى حين نشرها في المدونة.

باختصار، التدوين المختصر ليس بذلك السوء، فقط يجب أن تستغله أحسن استغلال، أن تأخذ من هنا وهناك وتحصل على خلطتك الخاصة كصانع محتوى. استقراري الكلي على المدونة، قد أكتب أحيانا منشورات على الفيسبوك وعادة ما تكون مراجعات كتب، لأنني عندما أراجع كتابا ما، أنسى ما كنت أود قوله عن بعض الأمور في الكتاب، فتكون المراجعة أقصر وتصلح كمنشور أكثر من كمقالة.

طبعا، إن أراد شخص ما نصيحتي وخاصة إن كان مبتدئا في التدوين، أنصح بالتدوين المختصر أولا، لأنني شخصيا أمضيت سنوات وأنا أنشر الهراء على الفيسبوك، لن تجدوا شيئا، فقدت حساباتي القديمة للأسف، ثم انتقلت للتدوين هنا.

لأنه بكل صراحة، التدوين ليس بتلك السهولة، يحتاج لتعود تكتسبه مع الزمن، لكن أن تبدأ التدوين هنا مباشرة لا أراه خيارا محبذًا. وهذه مجرد نصيحة خارجة عن الموضوع قليلا.

19 thoughts on “التدوين المختصر ليس بذلك السوء!

    1. لأنه في البداية سيعتبر التدوينة بعبع صعب، ويجد صعوبة في إيجاد الأفكار رغم أنها أمامه تتطاير.
      لكن التدوين المختصر ليس مقيدا بأفكار جميلة معينة ولا شيء، التعود على استغلال الأفكار أثناء التدوين المختصر سيسهل الأمر لاحقا عند البدء بالتدوين العادي.
      حتى لو وجد فكرة وقال سأكتب عنها، ربما سيقع في فخ التطويل لأنه يجب أن يكتب مقالة طويلة.
      التدوين المختصر قد يمكن اعتباره فترة تدريب ما قبل دخول عالم التدوين.

      Liked by 1 person

  1. في السابق في بعض السنوات كنت أشارك القليل من هذا التدوين المختصر (غالبًا في فيسبوك وتمبلر)، لكن الآن بعد ترك وسائل التواصل الاجتماعي أظن أنني أمارسه فقط -كما ذكرت- بشكل شخصي في دفاتري أو في تطبيقات الهاتف. لا أعتقد أنه عاد يعنيني أن أشارك شعوري أو آرائي سوى في المدونة وفي أحاديثي مع دوائر المقربين، ولا حتى في مكان خاص مثل حالات الواتس أب.
    بالنسبة للتدوين ففعلًا كانت عقبة أن عليك كتابة الكثير، لكن منذ بدأت فكرة كتابة الثرثرات ” سعدت باستطاعتي أن أشارك تلك الأفكار التي ليس لدي الكثير للحديث بشأنها.

    وفعلًا التدوين يدوم، أذكر أنني في مرة احتجت الكتابة في موضوع وبعض المصادر كانت تدوينات قديمة جدًا، لكن الجيد أنني استطعت الوصول لحسابات أصحابها في وسائل التواصل لشكرهم على ذلك 🙂

    كل الامتننان لتدويناتك الثرية🌸

    Liked by 1 person

  2. لعل الهاجس الذي يشغل بالي خلال هذه الايام هو ماتفضلت واسهبت بالكلام عنه..
    التدوين، المدونة، التفاعل، ووردبريس أم تمبلر ؟
    التدوين ياسيدي كما افهمه ولتعذرني على اسهابي في مايلي..
    هو أن تجد فكرة فريدة لتدوّن موضوعاَ متكاملاَ عنها..
    يجب عليك الإلمام بقواعد الإملاء بشكل اساسي ومبدئي.. تخيّل أن اقدم نصائح تفيدك في زواجك مثلاً وكل التدوينه اخطاء املائية !!؟ لا يصح اطلاقاً.
    اذا انتهينا من الاملاء يأتي لنا البعبع الأخطر وهو فن الكتابة للويب، وكيفية تنسيق الفقرات والتدوينة بشكل متسلسل مراعياَ ادبيات الكتابة الصحفية من تنسيق وضبط للنص وغيره من الاستشهاد بالمراجع وايرادها وغير ذلك..
    انتهينا من هذا كله ؟
    تبقى لنا العم قوقل ومتى يرضى عليك العم قوقل ويتفضل بأرشفة مدونتك ليتمكن بعض عابري السبيل من العثور عليك !؟
    لا بد أ، نعود للخطوة السابقة ونضيف معيار جديد لكتابة التدوينة وهو أهم بكثير من ترف الأسلوب والتقيد بأدبيات الصحافة والإعلام وفن الكتابة للويب..
    لا بد للتدوينة من شكل معين .. العنوان والفقرات واللوائح والتسمية التوضيحية للصور والقائمه تطول ياعزيزي..
    أخيراَ..
    صدقني ستقوم بهذا كله على اكمل وجه..
    ولن يزورك أحد !
    واذا زارك لن يتكرم عليك بأي شكل من أشكال التفاعل..
    حتى ولو باض الديك ووجدت بعض التفاعل..
    ستجد تفاعلاَ اشبه بتفاعل المنتديات التعيسة.. من شاكلة.. “واو موضوع جنان”
    من الأهبل الذي يفكر ببناء مدونة هذه الأيام ؟
    أنا بالطبع 🙂
    استمر ياسيدي بفعل الشيء الصحيح الذي يرتضيه ضميرك وحسب.. هذه هي المعادلة ببساطة !
    والسلام

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s