التخلص من الكتب: هل هي جريمة؟

عبد الله المهيري ألهمني لكتابة هذه التدوينة، تخيل أن بذرتها كانت تعليقًا على أحد تدويناته في مدونته، وأيضا هو يدعو قراءه أن يكتبوا عن التبسيط، لهذا هذه التدوينة تلبية لدعوته، لنبدأ.

مؤخرا، بدأ التبسيط يتسلل لحياتي، أعجبت كثيرا بفلسفة التبسيط، سيكون مبتذلا لو قلت لكم أنني بعد مشاهدتي للوثائقي The minimalist ازدادت رغبتي في فعل ذلك أكثر، لأن أغلبية من بدأوا التبسيط وتحدثوا عن تجربتهم ستجدهم يقولون بعد مشاهدتي لذلك الوثائقي ويكملون الجملة.

لا يهم.. سأتحدث هنا عن الكتب بالذات، لأنه نوع صعب من أنواع الممتلكات التي يجب عليك التخلص منها في رحلتك نحو حياة بسيطة، التبسيط في الممتلكات بأكمله صعب، ليس لي طبعا، أستطيع أن أتخلص من الأشياء التي أمتلكها بسهولة ما دمت لن أحتاجها مستقبلا، أقوم بنتظيف خزانتي كلما أرغب في ذلك، وفي كل مرة أقوم برمي أشياء لن أحتاجها، كراريس قديمة، أدوات تقنية عفا عنها الزمن، أو تعطلت لكنني احتفظت بها على أمل أن يبث أحدهم الحياة من جديد..

لا أعلم كيف أصبحت أتخلص من الأمور بهذه السهولة، عندما أقرأ مثلا في الفيسبوك عن موضوع التخلص من الكتب، فالكثير لا يمكنه فعل ذلك، يعتبر الكتب كأبناءه وأنها فلذات أكباده ولا يمكن الافتراق عنها وبلا بلا بلا… حتى لو قرأها وانتهت صلاحيتها -مستفزة هذه العبارة- لن يتخلص منها، من المستحيل في ذهنه فعل ذلك.

طبعا أحترم وجهة نظرهم، وعلى العين والرأس كما نقول في الجزائر، لكنني الاستثناء في هذه العقلية، يمكنني التخلص من أي شيء، سواء كان كتابا، أو كراسة قديمة أكتب فيها مذكراتي أو ملاحظاتي، أيا كان، وأيا كانت قيمته، إذا ما وظيفته انتهت، السلام عليكم شكرا لك على خدمتك إلى القمامة أو حل آخر في حال ما كان الشيء ذو قيمة… لازلت لا أعلم كيف اكتسبت هذه البرودية تجاه الأشياء، ربما تأثير القراءة عن التبسيط كثيرا.

أملك الكثير من الكتب، المجلات، الكتيبات، كتب الجيب، الموسوعات، المعاجم، القواميس.. لعل الفضل يعود لأبي، كان يمنحني كتبه ومعاجمه بين الفترة والأخرى، كما أنه هو الذي عرفني على مجلة العربي الصغير، ولم أكن أفوّت أعدادها، حيث أذهب شهريا لشراء العدد الجديد وعندما يتأخر أستفسر عن ذلك وكل تلك الأمور.

إلى أن تكدست عندي أعداد كثيرة من العربي الصغير، كنت أحتفظ بها كأبنائي الأعزاء، لكن وصل وقت البرودية تجاه الأشياء. جدير بالذكر أن العربي الصغير محتوياتها ذات جودة عالية، يعني قد يكون من غير المنصف أن تقول عليه العربي الصغير، أو أن تخصصها للصغار فقط، يمكن للكبار قراءتها والاستمتاع بها حقا، فإذا كنت من عشاق مجلة العربي مثلا، ألق نظرة على العربي الصغير أيضا قد تثير انتباهك وتشتريها أيضا.

أين كنا؟ آه نعم.. كما أنني كنت بفضل الأب أيضا، أذهب سنويًا للصالون الدولي للكتاب في العاصمة، أشتري الكثير من الكتب، كان طقسا سنويا يجب القيام به وإلا أحس أن عامي غير مكتمل.

كل هذه الظروف، جعلتني أمتلك الكثير من الكتب، أقرأ وأتركها تتكدس مع الكتب التي قرأتها من قبل، كأنني أروي قصة مبتذلة، كل الناس يفعلون ذلك، يقرأون ويكدسون ما قرأوه مع الكتب القديمة.. لكن في الآونة الأخيرة، أصبحت أفكر بعقلية “أريد ألا أحس نفسي ممتلكًا للكثير من الأشياء” وبهدف وهمي يقول: “أن أستطيع حمل ممتلكاتي في حقيبة واحدة أو ربما اثنتين عندما يحدث أي ظرف، الانتقال لبيت جديد مثلا، أو السفر، أو الدراسة في مدينة أخرى”.

لهذا بدأت رحلة تقليل الممتلكات، تقليل الكتب التي أملكها، وجعلها تصل للعدد 0، قد يبدو الأمر جنونيا، ما الذي دهاك أن تتخلص من كتبك كلها وتصبح بدون كتب في الأخير؟ نعم هو أمر جنوني بالفعل، لكنه ليس مستحيلا.

قمت بجمع جميع الكتب القديمة، المجلات، مجلات العربي الصغير وأيضا بعض الأعداد من مجلة العربي، تركت فقط الكتب التي قرأتها مؤخرا، والكتب التي لم أقرأها بعد، وضعتها في كراتين وفي أكياس بلاستيكية متينة.

بعدها قمت بفتح حسابي في الفيسبوك، بحثت عن جميع الجمعيات المختصة بالكتب، وجميع المكتبات الموجودة في مدينتي، البعض رد علي والبعض لا ربما لأن الصفحة قديمة وغير فعالة، وأيضا قمت بنشر منشورات في مجموعات القراءة الخاصة بمدينتي، كل هذا من أجل سؤال واحد: هل هناك من يحتاج هذه الكتب؟

أغلبية الكتب، ذهبت لجميعة تابعة للجامعة التي أدرس فيها حاليا، كنا ننسق كل يوم ثلاثاء حسب ما أتذكر لكي نلتقي وأمنحهم جزءا من الكتب، لأنها كثيرة ويجب أن أمنحهم القليل منها في كل مرة نلتقي فيها. إلى أن تبقت علبة واحدة من الكرتون للكتب التي تبقت، وتبقى رف واحد من الخزانة التي أضع فيها كتبي، ذلك الرف، يحوي الكتب التي قرأتها مؤخرا، والكتب التي لم أقرأها بعد. هذا يعني أن هدف الوصول إلى 0 كتاب لم يتحقق بعد، لكن قريبا سيتحقق.

النقطة الأخرى، هي أنني مؤخرا أغلب قراءاتي كانت الكترونية، فتعودت على ذلك، على القراءة الكترونيا، بل أجد متعة أكثر في الـPDF أكثر من الورق، نعم هذا أيضا ضرب من الجنون، لكنها مسألة تعود، وأيضا مسألة تفضيلات شخصية، فالكتاب الالكتروني يوفر لي أمورًا لا يوفرها الكتاب الورقي.. لا علينا.

ما أود قوله، أن الكتب الالكترونية لها سبب مباشر في تسهيل التخلص من الكتب، طبعا أنا أقول تخلص، لكنه ليس بالمعنى السلبي، يعني أحزم الكتب كلها في كيس بلاستيكي مثلا وأرميها في القمامة، هنا يحق لك أن تعتبرني مختلا عقليا أو مجرما، فقط فكر عندما تنوي رمي كتبك، أن هناك من يحلم بامتلاك ذلك الكتاب وقراءته.

وحتى الكتب الالكترونية، كانت لدي المتلازمة المشهورة لدى قراء الكتب، وهي تحميل الكتب، كان في جهازي الكثير من الكتب، أجد ترشحيا ما في وسائل التواصل، يعجبني الكتاب، فأقوم بتحميله إلى أن تكدست كومة أخرى من الكتب.. هي مجرد متلازمة لا فائدة منها، عندما تنوي أن تقرأ كتابا تجد نفسك تائها بين تلك الكومة التي قمت بتحميلها، ولا تقوم بقراءة شيء، أو هكذا على الأقل ما يجري معي.

لهذا جاء جنون آخر، وهو أنني حذفت كل الكتب الالكترونية دون استثناء، شعاري هنا أنه مادامت هذه الكتب تتكدس بلا فائدة، فيجب أن تحذف، ويجب أن تُحَّمِلَ ما تنوي حقا قراءته. نعم الأمر صعب، لكن أذكرك أن البرودية في فعل هذه القرارات تساعد كثيرا في حذف كلمة “مستحيل” عندما تفكر في فعل ذلك.

أما الجنون الأخير الذي سأتطرق إليه.. تتذكرون عندما قلت أن زيارة الصالون الدولي للكتاب طقس سنوي، لا يمكنني تفويته، نعم كان القرار هو عدم الذهاب لصالون الكتاب بعد الآن، طبعا هذه مبالغة مني، لكن عندما لا توجد فرصة للذهاب إليه، فلن أعتبر ذلك نهاية العالم، بمعنى آخر برودية أخرى تجاه زيارة الصالون، برودية أخرى تجاه ذلك الطقس السنوي.

لأن في الأخير الصالون الدولي عندما أزوره يحدث معه أمور أخرى، مثلا الخروج من ولايتي التي أسكن فيها، تغيير الجو، التقاء ناس جدد، وناس أعرفهم من قبل ولم نلتق منذ فترة، وناس نود أن نلتقي لكن لم نلتق بعد… لهذا إن وجدت فرصة للذهاب فلن أقول لا، لكن الأكيد أن الغرض الأول ليس شراء الكتب.

أذكر آخر مرة زرت فيها الصالون، قمت بشراء كتاب واحد فقط، قد لا تصدق ذلك، لكنني اشتريت ما أردت شراءه وفقط، تخيل في تلك الأجواء المحاطة بالصالون، تلك الأكوام من الكتب، والعناوين المشوقة، والأغلفة الجميلة، واو طارق يركز على التفاصيل لدرجة وصوله للأغلفة.. تخيل فقط أنه مع كل ذلك، تشتري فقط كتابا واحدا.

لا تتخيل، نعم لقد قمت بذلك، انفصلت حينها عن الرفقة التي أتيت معها، ذهبت مباشرة لدار الجزائر تقرأ، طلبت رواية أرض السودان من تأليف أحد كتابي المفضلين أمير تاج السر، ذهبت للصالون فقط من أجل هذه الرواية، قرأتها بالفعل وأعجبت بها.

حاليا لم أعد أشتري كتبا، قد أفعل ذلك في حالة ما لم أجد الكتاب الكترونيا، أو كان إصدارا جديدا، أو كان لازما لدراستي الجامعية إذا لم يتوفر الكترونيا أيضا. يعني في سلم الاولويات الوهمي، الكتب الالكترونية حاليا تتصدر المشهد، وهي الترند حاليا في حياتي.

قد تكتب لي في التعليقات، تبقى كل المتعة في امتلاك الكتاب، قراءته وتقليب صفحاته وشم رائحته -مبالغة أخرى-، أحترم تعريفك للمتعة في مجال الكتب، وأتفق معك طبعا، لكنها متعة يمكن التخلي عنها حسب تجربتي.

هذا كله تحدثت فيه عن الكتب فقط، التبسيط لا يزال يرافقني في كثير من مجالات حياتي الأخرى، لباسي، مقتنياتي الأخرى، تصاميمي بغض النظر أن التصاميم عامة في الآونة الأخيرة تتجه نحو التبسيط وعدم الإكثار من العناصر، ملفاتي في الحاسوب، حساباتي الاجتماعية، هناك من ضحك علي أنني أملك يوزرنايم موحد لكل حساباتي، الشباب من نفس عمري يحبون تزيين أسماءهم خاصة في الانستغرام وغيرها، لكنني تريد إيجادي بسهولة اكتب tareknac وستجدني، حتى مدونتي وتملك نفس اليوزرنايم..

التبسيط جميل، الحياة بالنسبة لي جاءت لكي نعيشها بسطاء.

14 رأيا حول “التخلص من الكتب: هل هي جريمة؟

  1. عاد إلينا من جديد، أعجبتني أفكار التدوينة، نتشارك المزاج نفسه، يا لسهولة التخلي، التعلق نقيد، والمبالغة في تكديس الأشياء تصبح متعبة أيضًا.

    Liked by 1 person

    1. من المفارقات أن عائلتي تمتلك عقلية تكديس الأشياء، يملكون الكثير من الأشياء، يخزنون كل شيء، علب قارورات..
      فلتحيا البساطة يا رجل.
      ممتن لك.

      إعجاب

  2. انا من فترة افكر في تقليل عدد الكتب لدي خاص ان عددا منها كان لغات برمجة و شروحات برامج أنتهت لم تعد تستخدم الحل هو بإرسالها الى مصنع او جمعية تعيد استخدام الورق

    Liked by 1 person

    1. فقط ضع في بالك أنه يمكن وجود شخص يريد هذه الكتب، فابحث أولا عن شخص يريدها ثم بعدها خذها لإعادة استخدام الورق..
      كل التوفيق.

      إعجاب

  3. أحببتُ مِنهاجك في التقليل!
    حقيقة أنا كـ أنثىٰ أكاد ألا اكون كذلك بسبب الزهد الذي أقوم بها سواء في ملابسي ومواد الزينة وماشابهها.. آخذ ما أنا بحاجته فقط 😅
    واعشق شيء اسمه تجريد 💃🏾
    هذا بعدما كنتُ أبحث عن ابسط سبب حتى لا ارمي غطاء قلم الحبر قبل عام🙂
    كل شيء أرميه اتبرع به عدا ابنائي.. كتبي اللذيذة اقصد المفيدة ⁦♡
    شكراً لتدوينتك الجميلة :).

    Liked by 1 person

  4. لدينا أزيد من 100 عدد من العربي والعربي الصغير🤭. حفظ الله أباك
    أنا من المؤيدين لاستحالة التخلص من الكتب و لو تخلصنا من كل شيء، حتى أنني أقلق من إتلاف إخوتي لهم مستقبلا 😔 ليس لأنني أشتمها و أعيد قراءتها، بل فقط لكونها جزءا من البيت قضى والدي عمرا يجمعه
    حتى أنني مؤخرا بدأت بجمع مؤلفات أمي وأبي وكتبهما من الطفولة والشباب( أسرقها من بيت جداي)
    لا أفكر في التخلص من أي كتاب، بل لازلت أشعر بالسوء لأجل روايتين رائعتين فقدتهما منذ ثلاث سنوات 🙃 لكن سأعتمد فكرتك في عدم تكديس الكتب على الهاتف و الحاسوب ✔️
    شكرا لك طارق 🙆

    Liked by 1 person

  5. أعجبني أسلوب التبسيط في الحياة. و في كل المجالات و أفكر في خوض هذه التجربة و تبني هذا الأسلوب إلا أني أجد صعوبة في ذلك ، و أظن أن أصعب شيء بالنسبة لي هو التخلي عن كتبي ، و أدوات الرسم و التدوين الفني ، إلا أن هذه الأخيرة تتعبني في التنظيم و الترتيب و حتى نفسيا لأنني لا أستطيع ترتيبها أبدا (كبقايا الأوراق مثلا) ، و رغم كل هذا لازالت لدي رغبة في تبني هذا الأسلوب و لكن مع جعله يلائم حياتي و لا يضغط علي ، و ألا أضغط أنا على نفسي .
    إضافة : لو أني كنت قريبة منك و حصلت على بعض كتبك 🥺😂😁 ، إذا كنت تود التخلص من بعض كتبك سأكون سعيدة بتبنيها 😁

    Liked by 1 person

    1. طبعا الأهم في التبسيط أنه مرن، يمكن لكل شخص أن يطبقه كيفما يريد، هناك أشخاص يمكنهم النوم في الأرض والتخلص من السرير وهذه الأمور، وهناك من لا يستطيع ذلك كأبسط مثال.
      سأكون سعيدا بمنحك كتبي، أبشري نسرين، ممتن لتعليقك.

      Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s